الشيخ محمد الصادقي
282
البلاغ في تفسير القرآن بالقرآن
سورة الإسراء 1 - بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ . سُبْحانَ تنزيها عما لا يليق بساحة الربوبية ، كأن لا يقدر على إسراء عبده الَّذِي أَسْرى سيرا خارقا للعادة بِعَبْدِهِ وهو روحه بجسمه دون واحد منهما فإن لكل اسمه الخاص به لَيْلًا سيرا ليليا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى وهو أقصى المساجد وأبعدها مكانا من المسجد الحرام ، فهو بالسدرة المنتهى ، مهما كان المسجد الأقصى الأرضي أقصى لمقابلتها الأقصى السماوي ، ثم الأقصى الأرضي يومذاك كان مسجد الكوفة الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ كافة البركات الروحية وسواها ، وقد يعني " حَوْلَهُ " ما أحاط بالسدرة من الكون والكيان الخلقي كله لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ كل ما يمكن سمعه الْبَصِيرُ كل ما يمكن إبصاره بصرا وبصيرة . 2 - وَآتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ : التوراة وَجَعَلْناهُ بالتوراة هُدىً لِبَنِي إِسْرائِيلَ كرأس الزاوية لهذه الرسالة العالية ، وخلاصة هداه أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا تكلون إليه أمركم كرب . 3 - لذلك ، أعني من المرسل إليهم الإسرائيليين ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ ولا اختصاص لهم في كونهم " ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ " بل هم الأناسي المولودون منهم طول الرسالة الموسوية إِنَّهُ كانَ عَبْداً شَكُوراً فنحن شكرناه فجعلنا ذريته ، نسبا وإيمانا إلا من غرق " هُمُ الْباقِينَ " دون الباغين . 4 - ورغم تلكم الكرامة الغالية لبني إسرائيل وَقَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ فِي الْكِتابِ إنباء حتما بما سوف يفتعلون لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مقابل السماء ، فهي أرض التكليف فيها كلها ، إفسادا عقيديا ، اقتصاديا سياسيا وفي الحرث والنسل مَرَّتَيْنِ ولم يسبق حتى الآن لهم إفساد عالمي إذ كانوا وحتى تأسيس الدّويلة الإسرائيلية ، شذر مذر أيادي سبا ، وعلّهم منذ احتلال فلسطين القدس يبتدءون بالإفساد الأول ، ثم الثاني : وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيراً في إفسادهم الثاني أعلى وأشمل من الأول . 5 - فَإِذا جاءَ وَعْدُ تعذيبا هنا وتشريدا أُولاهُما من مرتي إفسادهم وهي أخف إفسادا بَعَثْنا عَلَيْكُمْ تحقيقا لوعدنا عِباداً خصوصا لَنا وهم الموحدون الفدائيون من العالم كله أُولِي بَأْسٍ قوة شَدِيدٍ أشد منكم فَجاسُوا مضارعا محقق الوقوع بصيغة الماضي وصبغة المضارع خِلالَ الدِّيارِ حيث مركز إفسادهم وما حواه في الأرض كله وَكانَ وَعْداً مَفْعُولًا لا مردّ له ولا حول عنه ، حيث الإفساد العالمي ليس ليدوم إلا أن يقضى عليه ببعث رباني كما هنا ، اللهم اجعلنا من هؤلاء العباد الخصوص . 6 - ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ بني إسرائيل المفسدين بعد تدميرهم الْكَرَّةَ الرجعة عَلَيْهِمْ هؤلاء العباد الفدائيين أن تجمعوا كيدكم وَأَمْدَدْناكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْناكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً كما نمد سائر الكفار بامتحان الامتهان . 7 - إِنْ أَحْسَنْتُمْ بعد تشردكم عند قوتكم تركا لأي إفساد أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ ألا يقضى عليكم بعد وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها ولكنكم تسيئون أكثر من الأولى فَإِذا جاءَ وَعْدُ المرة الْآخِرَةِ من المرتين لِيَسُوؤُا " عِباداً لَنا " ما بقي منهم وما حصل بعد في المرة الآخرة ، وهم أصحاب المهدي عليه السّلام " لِيَسُوؤُا " وُجُوهَكُمْ أكثر من الأولى وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ الأقصى كَما دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وهنا يعرف أن المبعوثين الأولين يدخلون المسجد بعد المرة الأولى ثم الثانية وَلِيُتَبِّرُوا ما عَلَوْا الإسرائيليون في المرة الثانية بعلوهم الكبير تَتْبِيراً قاضيا ، وهو في دولة الإمام المهدي عليه السلام إذ يملأ الأرض قسطا وعدلا بعد ما ملئت ظلما وجورا .